عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي

118

منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين

« طوبى لمن كانت له قصعة يأكل منها كل يوم مرة » وقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « طوبى لمن كان رزقه كفافا » « 1 » وقال - صلى اللّه عليه وسلم - : « اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا » « 2 » أي : ما يمسك رمقه وما نال من نال مقام الحرية إلا بالقناعة فالقانع هو الفقير الصابر على فقره والشاكر عن ربه في فقره ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « كن قانعا تكن أشكر الناس » « 3 » وقيل في تفسير قوله تعالى : فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [ النّحل : 97 ] الحياة الطيبة في الدنيا : القناعة . وقيل : الفقراء أموات إلا من أحياه اللّه بعز القناعة . وقال بشر الحافي : القناعة ملك لا يسكن إلا في قلب مؤمن . وقال وهب : إن العز والغنى خرجا يجولان . فلقيا القناعة فاستقرا . وقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - : « ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس » « 4 » . وفي الزبور : القانع غني وإن كان جائعا . قال إبراهيم المارستاني : انتقم من حرصك بالقناعة كما تنتقم من عدوك بالقصاص . وقال ذو النون المصري : من قنع استراح من أهل زمانه واستطال على أقرانه . وقيل في قوله : إن الأبرار لفي نعيم ، يعني هو القناعة في الدنيا ، وإن الفجار لفي جحيم هو الحرص في الدنيا . وقيل لأبي يزيد : بم وصلت إلى ما وصلت ؟ قال : فجمعت أسباب الدنيا فربطتها بحبل القناعة ووضعتها في منجنيق الصدق ورميتها في بحر اليأس فاسترحت . فمن لم يعالج مرض الحرص بالقناعة يتولد من حرصه داء الحسد وهو أدوى الأدواء .

--> - يومه وعشاء ليلته » . ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه وورد بألفاظ أخرى . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، كتاب الزكاة ، باب في الكفاف والقناعة حديث رقم ( 126 - 1055 ) ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب الرقاق ، باب كيف كان عيش النبي صلى اللّه عليه وسلم . . . ، حديث رقم ( 6460 ) . ( 3 ) لم يرد بهذا اللفظ إنما ورد بألفاظ قريبة منه . ( 4 ) رواه مسلم في صحيحه كتاب الزكاة ، باب ليس الغنى عن كثرة العرض ، حديث رقم ( 120 - 1051 ) ورواه البخاري في صحيحه ، كتاب الرقاق ، باب الغنى عن النفس ، حديث رقم ( 6446 ) ورواه غيرهما .